المسعودي

18

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وقال عمرو بن العاص لمعاوية ذات يوم : قد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع ، لأني أراك تتقدم حتى أقول : أراد القتال ، ثم تتأخر حتى أقول أراد الفرار ، فقال له معاوية : والله ما أتقدم حتى أرى التقدم غنما ، ولا أتأخر حتى أرى التأخر حزماً ، كما قال القطامي : شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصة وإلا تكن لي فرصة فجبان : وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى عن أبي الأعز التيمي ، قال : بينا أنا واقف بصفين إذ مر بي العباس بن ربيعة مغفراً بالسلاح ، وعيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما شعلتا نار أو عينا أرقم ، وبيده صفيحة له يمانية يقلبها ، والمنايا تلوح في شَفْرتها ، وهو على فرس صَعْب ، فبينا هو يبعثه ويمنعه ويلين من عريكته إذ هتف به هاتف يقال له عرار بن أدهم من أهل الشام : يا عباس ، هلم إلى النزال قال : فالنزول اذاً ، فإنه إياس من الحياة ، فنزل إليه الشامي وهو يقول : إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلوا فإنا معشر نُزُلُ وثنى العباس وركه وهو يقول : الله يعلم أنا لا نحبكُمُ ولا نلومكُمُ أن لا تحبونا ثم عصر فضلات درعه في محزمه يريد منطقته ودفع فرسه إلى غلام له اسود كأني والله أنظر إلى فلافل شعره ، ثم زحف كل واحد منهما إلى صاحبه ، وكف الفريقان أعنة الخيول ينظرون ما يكون من الرجلين ، فتكافحا بسيفيهما ملياً من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته ، إلى أن لحظ العباس وهناً في درع الشامي فأهوى إليه بيده وهتكه إلى ثندؤته ، ثم عاد لمجاولته ، وقد أفرج له مفتق الدرع ، فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح